الشارع

“عصايا في الإيد والقلب في الجنة”.. حكاية الراعي اللي شغال مهنة “سيدنا النبي”

وسط الخضرة الشاسعة وفي رحاب الطبيعة، حيث يمتزج صوت الريح بثغاء الأغنام، يعيش أحد حراس التراث الشعبي حالة من الهدوء النفسي لا يجدها إلا في مهنة “رعي الغنم”، تلك المهنة التي يصفها بكل فخر بأنها مهنة الأنبياء، مؤكداً أنه يشعر وكأنه “عايش في جنة ربنا” وهو يمارس عمله اليومي الذي يذكره دائماً بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

لا يكتمل مشهد الراعي إلا بـ “العصايا”، تلك القطعة الخشبية التي ليست مجرد أداة، بل هي رفيقة درب وسر مستمد من قصص الأنبياء؛ فبطلنا يستشهد بآيات القرآن الكريم حين سأل الله سيدنا موسى: “وما تلك بيمينك يا موسى؟”، ليكون الرد “هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى”. ويوضح الراعي أن كلمة “أهش” هي دستور عمله اليومي، فهي اللغة التي يفهمها الغنم ليتحرك في الاتجاه المظبوط، وهي الميزة التي ترافقه من يوم خُلقت الدنيا.

خلف هذه المهنة تكمن حسرة على ضياع كنوز كانت تُقدر بالألماس؛ فـ “جلد الغنم” الذي كان قديماً يُعد ثروة طائلة، تغير حاله اليوم. يروي الراعي بأسى كيف كانت مدينة “قوص” تضم مدابغ مشهورة، وكان الناس يتسابقون لشراء الجلود وتصنيعها، أما الآن، فقد أصبحت الجلود تُلقى للكلاب أو تُهمل، وضاعت قيمتها التجارية التي كانت تفتح بيوتاً وتدير مصانع.

وعن سر “الفرو” الذي يصنعه بيده، تظهر الفجوة بين جيل “البركة” وجيل “الشباب”؛ فالراعي ما زال يحتفظ بعادة صناعة الفرو للنوم عليه، واصفاً إياه بأنه “مبارك وفي دفء وحنان”. ورغم هذا، يرفض الشباب اليوم النوم على “صوف النعاج” مفضلين المراتب الحديثة، ليفوتهم إحساس الاستجمام والراحة التي لا يجدها الراعي إلا وسط غنمه وزرعه، بعيداً عن صخب الحياة وضجيجها.

إذا أردت راحة البال، فاقترب من الطبيعة وتأمل في بساطة الأنبياء؛ فالعصايا التي في يد الراعي ليست للضرب بل للتوجيه، والبركة التي في “صوف النعاج” هي دفء حقيقي قد لا تعوضه كل مراتب العالم الحديث، لأن “بتاع ربنا” دائماً ما يجد جنته في أرضه وبين حلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى