الشارع

“الظهر محني وعين على أكل العيش.. حكاية أم عمار مع الفراولة من الفجرية لحد الظهرية

في الوقت الذي يبدأ فيه العالم بالاستيقاظ، وتحديداً في تمام السادسة صباحاً، تبدأ ملحمة يومية بطلاتها سيدات ريفيات قررن مواجهة برد الفجر وشقاء النهار بقلوب صابرة؛ الحكاية هنا ليست مجرد “جمع ثمار”، بل هي قصة انحناء ظهر وصبر طويل، ترويها “أم عمار” التي بدأت رحلتها مع هذه المهنة منذ أن كانت طفلة في السابعة من عمرها.

أمام شتلات الفراولة، يتكرر مشهد الستات وهن “موطيات” لساعات متواصلة، وهو وضع تصفه أم عمار بكلمات تخرج من قلب المعاناة: “ظهرنا بيوجعنا وجسمنا كله بيوجعنا.. شغالين موطيين زي ما أنتي شايفه”. ورغم هذا الألم الجسدي، يظل الدافع أقوى من الوجع، حيث تلخص أم عمار سر هذا الصمود قائلة: “ده كله عشان خاطر ولادنا والله مش أكتر ولا أقل”؛ فكل ما يشغلهن هو العودة للبيت سريعاً لقضاء حوائج أبنائهن بعد يوم عمل شاق.

الموضوع أكبر من مجرد قطف الثمار؛ فالحكاية تبدأ بمرحلة “تصليح الأرض” وزراعة الشتلات التي يحضرها “عم جمعة”، ثم فرش المشمع وشد خراطيم المياه لري الزرع. والستات هن “العمود الفقري” لهذه العملية؛ من الزراعة وشد المشمع حتى “تطليع الفراولة من تحت المشمع” ومتابعتها حتى يحين وقت الحصاد. وبعد ست ساعات من العمل، تأتي السيارات لتنقل المحصول إلى المصانع، وتعود بالعاملات إلى بيوتهن في تمام الحادية عشرة أو الثانية عشرة ظهراً.

رغم أن العمل في الفراولة يستهلك طاقتهن، إلا أن هؤلاء النسوة لا يعرفن الكلل؛ فبمجرد انتهاء الموسم، يبدأن بالتفكير في “محصول الباذنجان” الذي ينتظرن فتحه لبدء رحلة شقاء جديدة. هي دورة حياة من العمل الشريف تدور في فلك الرضا، حيث يجدن سعادتهن في “أكلة عيش” تستر بيوتهن وتضمن مستقبل أولادهن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى